|
كلمة سماحة الشيخ المعزي (رئيس المركز الاسلامي في انجلترا) في المجلس التأبيني الذي عقد مؤخراً في لندن في ذكرى الشهيد الحكيم (رض)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والتسليم على نبيه الأمين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
السلام عليكم أيها الأخوة الكرام ورحمة الله وبركاته:
(الشهيد الحكيم: من عمق الولاء إلى رحاب الوحدة الإسلامية)
(الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)(سورة التوبة: 20-21).
عاش الشهيد الحكيم (رضوان الله عليه) في مدرسة الولاية فكان شغوفاً بحبّ النبي وأهل بيته، وكتب الكثير في هذا المجال وعلّم مريديه وطلابه على هذا الولاء الطاهر لهذا البيت النبوي المبارك واستطاع بتقواه وعلمه وذكائه ان ينطلق من ساحة هذا الولاء إلى رحاب وحدة المسلمين فأدلى دلوه في النشاط التقريبي بين المذاهب الإسلامية حتى كتب الكثير في هذا المجال أيضاً. وقد حقق مستوى كبيراً في التوازن بين قيم هذين الاتجاهين واستدل من مدرسة الامامة على ضرورة الوحدة الاسلامية فكان كتابه الشهير: (الوحدة الاسلامية من منظور الثقلين) - أي القرآن والعترة الطاهرة -. وهذا النوع من التناول ساعد على سد الطريق أمام المتربصين بوحدة الأمة وتقاربها. إنّ إيمان الشهيد (رضوان الله عليه) بهذه الوحدة الإسلامية وسعيه الحثيث لتحقيق فرص التقارب بين المسلمين بمختلف مذاهبهم الفقهية ساهم ا لى حد كبير في تحقيق وإيجاد علاقات واسعة مع علماء الأمة ومؤسساتها الدينية في كل مكان وكان علماً بارزاً في السياسة التقريبية لدى المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية. إنّ اهتمامه الكبير والواضح في أعمال الوحدة والتقريب بين المذاهب الاسلامية يكشف عن تشخيص واع ومسؤولية كبيرة تبناها ومضى عليها ودعا إليها وهي حاجة يومية ومعاصرة وحياتية لنا جميعاً، فالتحديات التي تعصف بعالمنا الاسلامي والاجتهادات الخاطئة والفتاوى التكفيرية والاعلام التضليلي الواسع النطاق، كل تلك الامور تخلق أجواء من الشحناء وتزيد في توتير الحياة العادية للانسان المسلم والمجتمع المسلم على حدّ سواء. إننا إذ نؤكد على هذا الاتجاه التوحيدي في التفكير والعمل والسلوك لنطبع برامجنا ونشاطاتنا ولتتسم أهدافنا بهذا النمط من التفكير والاهتمام. وبغير ذلك سنفتح الطريق لأعداء هذه الأمة يعبثون بها كيف ما أرادوا، وان أية محاولة لتفتيت هذا الاتجاه والتأثير عليه لدى العلماء والمفكرين والمثقفين المسلمين فأنّه سيجلب الكثير من المتاعب وتتنكب الأمة طريقاً غير سويّ بعد ان هتف القرآن الكريم والسنة النبوية والعترة المطهرة في الدفع باتجاه الوحدة مفهوماً وموقفاً وسلوكاً ومنهج حياة. لقد كان شهيد المحراب السيد الحكيم (رضوان الله عليه) ملتزماً بهذا الاهتمام الوحدوي ومنطلقاً فيه من رحاب الولاء للنبي محمد (ص) وأهل بيته الاكرمين، وهي معادلة صادقة ومؤثرة قد لا يوفق إليها كثير من المهتمين بهذا الشأن وقد يغفلون عن البعد الوحدوي في النصوص الواردة عن النبي وأهل بيته (عليهم السلام)، وقد يقع الانسان أحياناً في المغالاة أو التطرف ومناكثة الآخر وقد يذوب أو يتأثر ناسياً أو متناسياً هويته الوجودية، وكلا الأمرين نهت عنها الشريعة ونأتْ عنها معطيات النص الديني من القرآن الكريم وسنة النبي وأهل بيته الاكرمين. وقد جسّد الشهيد الحكيم (رضوان الله عليه) هذا التوازن بين المطلبين وهي صورة ناطقة عن وعي صاحبها، والمسؤولية الدينية والاجتماعية التي كان يضطلع بها. فما أحرى الأمة بكوادرها ومثقفيها ان ينهجوا هذا النهج الاعتدالي الوسطي حيث وصف القرآن الكريم أمة نبينا محمد (ص) بذلك فقال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(سورة البقرة: 143) ومن هنا يكتسب الشهيد الحكيم (رضوان الله عليه) نوعين من الشهادة: شهادة الاعمال، وشهادة القتل في سبيل الله تعالى فبالوسطية والاعتدال تقاس الأعمال لأن رسالتنا وسط بين الرسالات فلا افراط ولا تفريط ولا مغالاة ولا بغض إلا في الله سبحانه، وقد مَنَّ الله عليه فكانت شهادته في محراب جدّه أمير المؤمنين علي (ع) في النجف الأشرف وهو صائم أدى صلاة الجمعة بالناس إماماً في أول أيام شهر رجب الأصب الذي حرّم الله فيه القتل والقتال وقد أريد له ان تتميز شهادته في سبيل الله وكان له ذلك. رحم الله شهيدنا الغالي آية الله السيد محمد باقر الحكيم، وأسكنه الرضوان وفسيح الجنان، وجعل طريقه واضحاً لأبناء العراق عرباً وكرداً وتركماناً شيعة وسنة، وأقليات، فهو الساعي لتحقيق منهج الاعتدال والوسطية وقد ترك تراثاً ثرياً بهذه القيم العالية، نفعنا الله بها وشعب العراق المسلم الصابر المجاهد الموالي للنبي الأمين محمد ولآله الطيبين وصحبه المنتجبين. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ المعزي رئيس المركز الاسلامي في انجلترا رجب 1431 هـ /حزيران 2010
|
|