|
بحث القاه سماحة الشيخ المعزي (رئيس المركز الاسلامي في انجلترا) في الموسم الثقافي الرمضاني السادس في المركز الاسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه المصطفى محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أيها الاخوة والاخوات ورحمة الله وبركاته قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)سورة البقر: 185). قبل الحديث عن موضوع هذه الليلة لابدّ لي : - 1- أنْ أُبارك لكم جميعاً حلول هذا الشهر الكريم شهر رمضان حيث الرحمة والبركة والمغفرة، ونبارك جميعاً للأمة الإسلامية هذا الشهر العظيم داعين الله سبحانه لأمتنا الإسلامية بالنصر والثبات على مبادئ هذا الدين الالهي الذي يدعو إلى الوحدة والوئام وينأى بالإنسانية عن مواطن الاحتكاك والمناكفة انّه دين السلام دين الرحمة الإلهية لكل الانسانية بدون استثناء (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). إنّ شهر رمضان المبارك محطة للمراجعة والمراقبة لأعمالنا وسلوكنا فهذا الشهر الذي وصفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصفات ميّزه بها عن غيره من الشهور لابدّ ان نحياها عبادة وفهماً وسلوكاً فمن أروع ما جاء به في خطبته (صلى الله عليه وآله) في استقبال شهر رمضان المبارك قوله: (أيها الناس، انه قد أقبل اليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور وأيامه افضل الايام ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه الى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل الكرامة، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب...). 2- ان المركز الاسلامي في انجلترا يقيم هذا العام (الموسم الثقافي الرمضاني السادس) وذلك على مدى ست سنوات في هذه الليالي الكريمة والمباركة من شهر رمضان المبارك. نستضيف فيها مجموعة من العلماء والاساتذة والمختصين في هذه المجالات وبحضوركم الكريم يُشاد هذا الموسم ومن خلال حواراتكم واسئلتكم تُثرى هذه المطالب المهمة. 3- كما تعلمون فأن المركز الاسلامي في انجلترا يركز على كتاب الله الخالد وحبله الممدود من السماء الى الارض (القرآن الكريم) فتمتليء به برامجنا تلاوة وترتيلاً ودراية بأحكام تجويده الى جانب تفسيره ومطارحة العلوم القرآنية من خلال برامجه باللغات الأربع: (العربية والفارسية والانجليزية والاردوية) هذا الى جانب إحياء ليالي القدر المباركة وشهادة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وقد دأب المركز الاسلامي على تقديم الافطار الجماعي للصائمين وإقامة الصلاة جماعة بعد الانتهاء من البرامج المذكورة. اما حديثي هذه الليلة فأنه يتناول جانباً من المنظومة الاخلاقية التي حثّ عليها القرآن الكريم ودعا إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) حول: (سُبل التهذيب الاخلاقي). نعم ان الاخلاق تحتل مركزاً اساسياً في هداية البشر؛ قال الرسول (ص):«الاخلاق اناء الدين» ولاهمية هذه المسألة نرى انه تعالی يمتدح رسوله بخطابه «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم» (القلم/4)؛ ويری الرسول (صلى الله عليه وآله) الاخلاق اهم رسالته فيقول «انّما بعثتُ لأتمم مکارم الاخلاق» (ميزان الحکمة/1520) و«جعل الله سبحانه مکارم الاخلاق صلة بينه وبين عباده، فحسبُ أحدکم ان يتمسك بخلق متصلّ بالله» (ميزان الحکمة/1532)، ويقول الامام الصادق (ع) بهذا الصدد: «إن الله تبارك وتعالى خصّ رسول الله صلى الله عليه وآله بمكارم الأخلاق فامتحنوا أنفسكم ، فإن كانت فيكم فاحمدوا الله عزوجل، وارغبوا إليه في الزيادة منها فَذَكَرَها عشرة : اليقين والقناعة والصبر والشكر والحلم وحسن الخلق والسخاء والغيرة والشجاعة والمروءة» (ميزان الحکمة/1530). وقد جاء الاهتمام بالاخلاق وصياغة هذا المخلوق وفق نظامه الفطري وذلك لكون هذا الانسان خليفة الله في الارض أولاً إذ قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)(سورة البقرة: 30). وقد حظي هذا الانسان بالتكريم الالهي دون غيره ثانياً كما في قوله سبحانه: (ولقد كرمنا بني آدم) ثم قال: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)(سورة الاسراء: 70). وثالثاً: فهذا الانسان أمين الله في أرضه ولابدّ ان يكون بمستوى هذه الامانة الالهية قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا)(سورة الاحزاب: 72).
التهذيب الخلقي لو استخدم الانسان رغباته بصورة صحيحة لخدمته في استمرار حياته المادية و في الحصول علی اهدافه الانسانية السامية لكان قد حقق الكثير، وان لم ترضخ تلك الرغبات للعقل واطلق العنان لها و تجاوزت حدودها و استبدلت بالرذيلة و السوء فستضر بالانسان ايما ضرر. ماذا نفعل لترضخ هذه الرغبات لاوامر العقل حتی يصل الانسان لكماله المطلوب؟ هناك حلان لترويض الرغبات و النزعات النفسية و بتعبير آخر لتهذيب الاخلاق. 1- الحل الأول: الايمان بالله و التصديق بالحياة الاخروية من المسائل التي تستطيع ترويض النفس الانسانية. اول نتائج اطلاق العنان للرغبات و تعديها عن الحدود هي ان تبعد الانسان عن ربه و تسلط نفسه عليه بحيث تصبح نفسه الهاً له، (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الفرقان/43) و النتيجة الثانية عبر عنها الامام علي (عليه السلام) بهذا البيان: «من اتّبع هواه اعماه واصمّه واذله واضله»(ميزان الحکمة /6695) ومن الطبيعي من عميت بصيرته فلن يری آيات ربه و لن يعرف الهه حتی يؤمن به ويتعبد له، ومن الصعب علی الضال الذليل ان يعود الی الصراط ويتوب لخالقه ويقول امير المؤمنين (عليه السلام): في هذا المعنی:«من اطاع هواه باع آخرته بدنياه» (ميزان الحکمه/6698). ان الايمان الراسخ بالله والآخرة اقوی العوامل الرادعة لاتباع الهوی، والمؤمن بالله والآخرة لا يجعل رغباته تحت امرة عقله فقط، بل يسعی كي لا تكون له رغبة خلاف رغبة مولاه، وشخص كهذا قطعاً سيفوز برضوان ربه وسيدخل جنات عدن. يقول الله في كتابه العزيز: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات/41-40). فالايمان بالله و الاعتقاد بثواب و جزاء الآخرة حل للمسك بعنان الرغبات و مانع من اتباع الهوی و هذا الحل قادر علی استبدال الاخلاق الرذيلة بالاخلاق الحميدة و هو الذي دعا اليه الرسل و رغبوا باطاعة الله و تقواه و املوا الناس بثواب الآخرة و حذروا من عذابها. 2- الحل الثاني لجمح الرغبات و تهذيب الاخلاق هو المعرفة العميقة بالله تعالی و ان يری الانسان نفسه في حضور الله دوماً «إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً» (يونس/65) و«أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً» (البقرة/165).و لو علم حق العلم بانه هو المعبود الذي خلق كل شئ كما قال «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» (الانعام/102) و هو «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه» (السجدة/7) و ادرك حقيقة ان كل الوجوه خاضعة له «وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ» و«كُلٌّ لَهُ قانِتُون» (البقرة/116) فسيصبح ايمانه راسخاً كرسوخ الجبل و صلابته و سيؤمن به وحده و يسلم له تسليماً لانه امره بان لايعبد غيره «وَ قَضى رَبُّك أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» (الاسراء/23) و بأنه شهيد و محيط بكل شئ «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ... أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ» (فصلت/54-53) و سيعلم بان النهاية و المرد اليه وحده «وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى» (النجم/42) «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُون» (البقرة/156) (الميزان/1/354). هناك ثمرة معرفة ستكون ايماناً محفوفاً بالمحبة الالهية و لن تترك هذه المحبة مكاناً ليصبح الانسان متكبراً أو حسوداً، بخيلاً أو مغضاباً او جباناً او محباً للجاه او للدنيا و الخ... و لاشك بان الايمان المحفوف بالعلم و المعرفة و الاخلاص لايقضي علی الرذائل فقط بل يسد الابواب امام نفوذ الشيطان ايضاً فانه يعلم ان لاسلطان له علی من اخلص لله تعالی و لايستطيع ان يبعده عن الصواب. نعم من تغلب علی هواه و اتبع امر مولاه و اراد رضاه و لم يرض بشئ الّا برضاه سبحانه و قبل الله ولايته، فهو مستحق لمنصب الخلافة الالهية و التكريم الربوبي و الامانة الالهية في الارض. فافضل طريق لتهذيب الخلق هو طريق العلم و المعرفة بالاله الواحد فان ثمرته الايمان المصحوب بالحب الالهي، و هو افضل طريق لتهذيب النفس و اكتساب الخلق و هو ما دعا اليه الاسلام الحنيف. و هو طريق الدين الذي كان التوحيد اهم مرتكزاته بل هو لبه و التوحيد خلاصة جميع العقائد والتعاليم و الاحكام الفردية و الاجتماعية...
الدعاء: وكذلك الدعاء هو الآخر أسلوب تهذيبي للانسان يعلّمه الخضوع والتذلل للخالق الرحيم والرازق الكريم الله جلّ جلاله. ففي دعاء اليوم الاول من شهر رمضان: (اللهم اجعل صيامي فيه صيام الصائمين، وقيامي قيام القائمين ونبهني عن نومة الغافلين وهب لي جرمي فيه يا إله العالمين، واعف عني يا عافياً عن المجرمين). فالدعاء كما نراه يؤكد على ان يحسب صيام شهر رمضان ضمن موكب الصائمين المقبولين فهناك الكثير من الصائمين لا صيام لهم (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش) فهو لم يحسب من الصائمين ولم يؤثر فيه صومه في سلوكه أو عقائده أو معاملاته أو علاقته مع الآخرين. كذلك (قيام القائمين) فهناك من العبادات ما لا تقبل كما ورد ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من لم تنهه صلاته عن فحشاء او منكر لم يزدد من الله إلا بُعداً). ثم يأتي الدعاء ليحذر من نومة وغفلة الغافلين عن ذكر الله لذا جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصف ذلك قوله: (الذاكر في الغافلين كالمقاتل في الفارين). ثم يختم الدعاء بسؤال المغفرة عن الذنب والجرم ثم العفو عن فاعله (يا عافياً عن المجرمين) فهذه مطالب خمسة نستشرفها من دعاء اليوم الأول لشهر رمضان المبارك وما أعظمها في طريق تهذيب الاخلاق والنفس الانسانية. هذا مثال واحد من الدعاء الذي لابدّ ان يلحّ فيه الانسان على ربه ليستجيب له قال تعالى: (ادعوني استجب لكم) وقال تعالى: (قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم). فالدعاء من سبل التهذيب والترويض الاخلاقي ولعلّ شهر رمضان هو شهر الدعاء ومحطته ومن مظانّ الأجابة كما وصفه رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الدعاء فيه مستجاب). المهم في الأمر ان يدعو الانسان ربه ويتذلل إليه فهو يستجيب له ويعفو عنه اذا ما كانت تلك توبة نصوحاً بشروطها وصفاء قلب من يدعو بها.
التقوى والورع : وهكذا فأن ثمرة الاخلاق كلها وتغيير الانسان نفسه، ان يحظى الانسان بتقوى الله ومخافته وهذا عين ما يسعى اليه الصائم في شهر رمضان المبارك وهو ما تشير له الرواية بعد انتهاء الرسول (صلى الله عليه وآله) من خطبته في استقبال شهر رمضان المبارك إذ قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فقمت فقلت: يا رسول الله، ما أفضل الاعمال في هذا الشهر؟ فقال: يا أبا الحسن: أفضل الاعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز وجل. وروي عن الامام علي (عليه السلام) قوله: (الورع اساس التقوى). أي الورع عن محارم الله ونواهيه. وقد جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: (الورع سيد العمل، ومن لم يكن له ورع يردّه عن معصية الله تعالى إذا خلا بها – أي بالمعصية - لم يعبأ الله بسائر عمله، فذلك مخافة الله في السرّ والعلانية، والاقتصاد في الفقر والغنى، والعدل عند الرضا والسُخط. فالتقوى تلخص هذا الجهد والترويض والتهذيب الاخلاقي في الانسان وهي ثمرة ونتيجة عظيمة للاخلاق التي أمر الله باتباعها. روي عن الامام الصادق (عليه السلام) لما سئل عن تفسير التقوى قال: (ان لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك). وقال (صلى الله عليه وآله): (اعمل بفرائض الله تكن أتقى الناس). وقال (صلى الله عليه وآله): (من أحب ان يكون أتقى الناس فليتوكلْ على الله). اللهم تقبل منا واقبلنا وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته الشيخ المعزي شهر رمضان المبارك 1431هـ الموسم الثقافي الرمضاني السادس
|
|